سيد محمد طنطاوي

30

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ففي صحيح البخاري عن عائشة : أن ناسا سألوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن الكهانة ، فقال : « ليسوا بشيء » . - أي لا وجود لما يزعمونه - فقيل - يا رسول اللَّه ، فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء فيكون حقا . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرّها في أذن وليه قرّ الدجاجة - أي فيلقيها بصوت خافت كالدجاجة عندما تخفى صوتها - فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة » « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته ووحدانيته ، أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال - تعالى - : * ( والأَرْضَ مَدَدْناها وأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ، وأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) * . وقوله : * ( رَواسِيَ ) * من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة . يقال رسا الشيء يرسو أي ثبت . أي : ومن الأدلة - أيضا - على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا مددنا الأرض وفرشناها وبسطناها ، لتتيسر لكم الحياة عليها قال - تعالى - والأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ « 2 » . وأننا - أيضا وضعنا فيها جبالا ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب وعن أن تميد بكم . قال - تعالى - : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ . . . « 3 » . وأننا - أيضا - أنبتنا في الأرض من كل شيء * ( مَوْزُونٍ ) * أي : مقدر بمقدار معين وموزون بميزان الحكمة ، بحيث تتوفر فيه كل معاني الجمال والتناسق . قال - تعالى - : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ « 4 » . وأننا - كذلك - * ( جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ . . . ) * والمعايش : جمع معيشة ، وهي في الأصل مصدر عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا ، ومعيشة ، إذا صار ذا حياة . ثم استعمل هذا اللفظ فيما يعاش به ، أو فيما يتوصل به إلى العيش . أي : وجعلنا لكم في الأرض ما تعيشون به من المطاعم والمشارب والملابس وغيرها ، مما تقتضيه ضرورات الحياة التي تحيونها .

--> ( 1 ) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 14 ص 24 . ( 2 ) سورة الذاريات الآية 48 . ( 3 ) سورة لقمان الآية 10 . ( 4 ) سورة القمر الآية 49 .